
سوف أتخلى عن كل ما أختزنه من آراء وملاحظات ومعايشة لجرائم آل دقلو لعام وثلاثة أشهر، وأغضّ الطرف عن الإرث التاريخي الكبير في الانتهاكات والبلطجة باسم العروبة تارة، وباسم الدين والحقوق التاريخية تارة أخرى، وأُغيب عقلي للحظات فقط، أعيش فيها مع أدعياء حقوق الإنسان وما يثيرونه حول ارتكاب الجيش لانتهاكات خلال هذه الحرب.
تحدثنا عن انتهاكات حقيقية للمليشيا في مناطق سيطرتها، تمثلت في اختراق خصوصيات الأسر، واقتحام المنازل وتسورها عنوة للنهب والاغتصاب تحت تهديد السلاح، ونتيجة لهذه الأفعال يهرب كل سكان المناطق التي يدخلها الجنجويد وينزحون إلى أقرب منطقة يسيطر عليها الجيش، فهل يختار المواطن الهروب نحو الانتهاكات بمحض إرادته؟ أم يهرب منها بحثًا عن الأمان؟
لدينا عشرات الحالات لجرائم الاغتصاب المسجلة، بعضها دُوّن رسميًا كإجراءات قانونية، وأكثرها بقي طيّ الكتمان خوفًا من العار والفضيحة، كلها في مناطق سيطرة الجنجويد، وبعضها نتجت عنه أطفال على قيد الحياة، وإثبات نسبهم علميًا ليس بالصعب، فهل هنالك ما يوازي مثل هذه الجرائم في مناطق سيطرة الجيش؟
كل فروع البنوك التي كانت في المدن والمناطق التي سيطرت عليها المليشيا تعرضت للنهب والسرقة بواسطة سيارات قتالية مدججة بالدوشكات والقرنوفات والرباعيات، بينما ظلت البنوك في مناطق سيطرة الجيش تعمل بكل طاقتها وتتمتع بحماية تامة من الأجهزة الأمنية التابعة لدولة (56). وفي المقابل، فشلت المليشيا في مناطق سيطرتها في فرض الأمن والطمأنينة، وعمت الفوضى وقانون الغاب في كل مناطقهم، حتى المدن الكبيرة مثل نيالا والجنينة وزالنجي، وتحولت مدن بحجم الفاشر ونيالا إلى مدن أشباح بعد أن هجرها أهلها وأصبحت خاوية بلا حياة، وكل أملاك المواطنين هناك من أراضٍ وبساتين وسيارات وأموال كلها معرضة للنهب بحجة أن ملاكها فلول وكيزان. فأي منطقة يسيطر عليها الجيش تعيش حالة مشابهة من الانهيارات الأمنية؟
عندما يحرر الجيش منطقة كانت محتلة من قبل الجنجويد، يستقبله الناس بفرح هستيري، ويخرجون لاستقباله بمسيرات تلقائية هادرة، أطفالًا وشيبًا وشبابًا ونساءً ورجالًا، وتنقلب الأوضاع الاقتصادية من شح وغلاء وضنك وشظف إلى وفرة ورخاء في الأسعار وانفراج في تفاصيل الحياة العامة، ويعود الناس إلى حياتهم العادية، كما يعود الأمن والطمأنينة، وتنفرج أسارير الناس وتظهر السعادة في الوجوه، ويبدأ العمار والنماء، عكس المناطق التي تسيطر عليها المليشيا حيث يشيع الخوف والهلع وتنتشر الجريمة، ويبدأ الناس في النزوح والهروب تلقائيًا إلى مناطق سيطرة الجيش حيث يتوفر الأمن والسلام والغذاء..!!
كل سيارات المواطنين وآلياتهم الزراعية التي نهبها الدعم السريع موجودة الآن في قرى ومدن يسيطر عليها الجنجويد، فهل هنالك جرائم أكبر من هذه؟ وهل بادرت حكومة تأسيس بضبط هذه السيارات وإعادتها لأصحابها؟ لن نتحدث عن السيارات التي نُهبت من الخرطوم والجزيرة، فقط السيارات المنهوبة من الفولة والنهود والخوي، أليست تحت سيطرتهم الآن؟
كل ما ارتكبه الدعم السريع من جرائم تصفية المواطنين على أساس عرقي وجهوي، ودفن بعضهم أحياء، وتعذيبهم وتجويعهم، مسجل ضدهم بأدلة صوروها بأنفسهم ظنًا منهم بأنهم أكبر من القانون وأيّ محاكمات، فهل هنالك أدلة توازي هذه ضد الجيش؟
المقارنة بين الجيش ومليشيا الدعم السريع، وتمييع قضية الشعب السوداني الذي نُهب وانتهكت أعراضه ورُوّع وأُجبر على النزوح، ووضع كل ذلك ضمن المزايدات السياسية للحديث عن طرفي نزاع، تُعدّ جريمة في حد ذاتها. ولأن القضية هنا تخص الشعب السوداني، فلا يمكن استعارة بعض المصطلحات السياسية لإطلاقها على ما حدث ويحدث في المدن التي يسيطر عليها الجنجويد، فهي بالأحرى جرائم جنائية تتراوح أحكامها بين الإعدام والمؤبد..!!
لا مجال للمقارنة وتسمية هذه الحرب بأنها (نزاع بين طرفين) أو (نزاع سياسي)، فتعريف النزاع في المصطلح واللغة هو الاختلاف ذو الطبيعة القانونية والحقوقية، أما ما يحدث على أرض السودان فهو البلطجة السياسية والإرهاب في أوضح أشكاله إذا أردنا تهذيبه في التعريف، وأي حديث سوى ذلك يُعدّ في خانة الحذلقة والنفاق وعدم المصداقية..!!



